كريم نجيب الأغر
48
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
إنه لمن الغريب جدا ، بل من المستحيل أن يصف الرسول - عليه الصلاة والسلام - أحوال ومظهر الجنين في الرحم وخصوصا في الأسابيع الأولى ، وهي تتغير باستمرار خلال أوقات وجيزة جدا ، وإنه لمن الغريب أيضا أن يضع برنامجا زمنيا دقيقا للغاية كما سنرى ، لا يقبله أي عقل بشري في ذلك الوقت نظرا لغرابته ولخروجه عن المألوف ، أوليس هذا كله دليلا على أنه نبي يوحى إليه من اللّه تعالى ؟ . فمن يتخيل أن يتخلّق الجسم الأساسي للجنين خلال أربعين يوما ، والحال أن الجنين يمكث في بطن أمه تسعة أشهر ؟ ، ومن يتخيل أن الجنين يشبه المادة الممضوغة التي تلوكها الأسنان ؟ . لقد أخبر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ببعض أسس علم الوراثة بإذن من رب العالمين قبل 1400 سنة من اكتشافها من قبل العلماء ؛ فلقد أوضح صلّى اللّه عليه وسلّم أن بنية الإنسان تتقدر حين خلقه عندما يلقّح الحيوان المنويّ البويضة ، وأن عملية التقدير تستوجب انصهار محتوى النطفتين بعضهما ببعض ، وانتشار صبغيات الحيوان المنوي بين صبغيات البويضة ، وأن عملية نمو الجنين تعتمد على الشيفرة الجينية الموجودة داخل البويضة المخصّبة . إن التحدث عن هذه الأمور الغيبية يعتبر أقوى من التحدث عن التغيرات التي تطرأ على الجنين ، وذلك لأن الأمور أدق في هذا المجال ، فضلا عن أنها الأسس التي تتحكم بمصير الجنين في المستقبل الخفي . حقا إنه لكشف مدهش ، إن هذا الكشف - إن لم يكن وحيا من اللّه تعالى - فإنه يحتاج إلى كثير من الوقت والعديد من الاختصاصيين المتمرّسين ليفهموا تلك الأحداث ، وإلى تقنيات متطوّرة للغاية ؛ وهذا الوقت وتلك التقنيات لم تكن متوفرة للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لأنه كان مشغولا بالدعوة وتنظيم الأمة الإسلامية على أحسن حال ، إضافة إلى أنه لم يمارس في حياته نشاطا علميا قط في هذا المجال كما سجّل التاريخ ( فهو عليه الصلاة والسلام اشتغل برعاية الغنم ، ثم بالتجارة قبل البعثة ، ومن ثمّ تفرّغ لأعباء الدعوة ) . وكان أمّيا كما أخبر بذلك القرآن ، وكما يظهر لنا من خلال رواية حادثة بدء الوحي . وفي المقاطع اللاحقة سنقارن - إن شاء اللّه - بين ما بيّنه اللّه عزّ وجلّ على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبين الاعتقادات السائدة في عصره في مختلف مراحل تخلق الجنين ( والتي قلبها رأسا على عقب ) . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى بين ما اكتشفه